روح المبادرة تكمن في إدارة أولوياتك

الكثير منا يسمع عن إدارة الوقت والأوليات.. ومنا من يغوص في أعماق كتب “تطوير الذات” ويقرأ هنا وهناك بحثاً عن ما يساعده لإدارة وقته وترتيب أموره.  وقد تحدثت في مقالة سابقة عن إدارة الوقت بطريقة إنجاز العمل (Getting Things Done) وأسهبت فيها بأمثلة وأنفوجرافيك.  وقلت فيها أنها أحد الأساليب البسيطة والفعالة لإدارة الوقت وتنظيم المهام.. ولكن – حقيقة وفي قرارة نفسي – أنا متأكد بأن الكثيرين لن يعملوا بها، رغم فعاليتها وبساطة فكرتها، لأنها تحتاج المتابعة الحثيثة والانضباط، ومن السهل جداً أن تجد نفسك هجرتها مع الوقت لعدم تمكنك من متابعتها بشكل يومي!

لذلك، وتوقعاً مني بأن الكثير قد لايرونها مناسبة لهم، أحببت أن أتطرق لطريقة أخرى لاتتطلب المتابعة الدقيقة كما في أختها، لأنها تنطلق من مبدأ الأولويات.  وفكرتها أن تعرف مايشغل وقتك، ولكن ليس لإدارته كمهام، وإنما لإعادة ترتيب أولوياتك وتركيز جهودك.  وهي لاتتطلب المراجعة اليومية، ولكن يكفي أن تقوم بمراجعتها أسبوعيا، مثلا.

أنت تقول الآن: “أزعجتنا، ياعبدالرحمن! قلنا الطريقة واخلص!”

الطريقة اسمها كما سماها صاحبها ستيفن كوفي Stephen Covey في كتابه “العادات السبع للناس الأكثر فعالية The 7 Habits of Highly Effective People”: مصفوفة إدارة الوقت “THE TIME MANAGEMENT MATRIX”. وقد ذكرها تحت العادة الثالثة والتي تهدف إلى أن تضع الأهم قبل المهم.  واشتهرت هذه الطريقة بأسماء أخرى مثل:

  • الأرباع الزمنية “Time Quadrants”: لأنها تقسم وقتك إلى أربعة أرباع
  • مصفوفة الأولويات “Priorities Matrix”: لأنها تهتم بترتيب الأوليات وليس بسرد ومتابعة المهام.

مصفوفة إدارة الوقت (أو مصفوفة الأولويات):

الفكرة من مصفوفة إدارة الوقت هو أن تنظر لمايشغل وقتك من منظورين رئيسيين: الأهمية، والعجلة.  ويعني ذلك أن تمحص الأعمال التي تشغل وقتك وتسأل: هل العمل هام أو غير هام؟ وهل العمل عاجل أو غير عاجل؟

وبالتالي يظهر لك أربع أقسام لوقتك، تندرج تحتها جميع أعمالك التي يزدحم بها جدولك، كما في الرسم التالي:

Slide1

وكما يذكر ستيفين كوفي، فإن الأمور العاجلة هي التي تفرض نفسها علينا وتتطلب منا البت فيه في الحال.  أما الأعمال الهامة فهي التي تؤدي إلى نتائج نحتاجها في حياتنا: تساعدنا على تحقيق غاياتنا وتحقق لنا أهدافنا.  الأمور العاجلة تتطلب منا “ردة الفعل”، بينما الأمور الهامة فتحتاج منا “المبادرة والاستباقية”.

وهذه أمثلة لأعمال مصنفة حسب الأرباع الأربعة:

Slide2

البعض منا – وخصوصا الجاد والملتزم والذي يتحمل مسؤولياته – يجد نفسه غريقاً في الربع الأول Q1.  وكلما حاول التعامل مع ما فيه من أعمال، كلما زاد غرقاً فيه وبالتالي يكبر لديه هذا الربع.  وعند فراغه البسيط غالباً ما يلجأ إلى الربع الأخير Q4 حتى يتنفس الصعداء.

Slide5

والبعض منا – وخصوصاً من يظن أن مقابلة البريد الالكتروني على مدار الساعة تعتبر عملاً – يجد نفسه غريق الربع الثالث Q3 والذي يتصف بأشباه العمل ومهام يدعي كل منها أنها جديرة بالوقت والاهتمام.  وهذه الأعمال لاتأخذ من العمل الحقيق إلا قشوره، فهي خاوية فارغة في الأغلب.

Slide6

وآخرين لا يعطون الوقت حقه ولا يقدرون نعمة الفراغ التي يعيشونها وبالتالي يضيعونها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ).  وأرى حالنا في دبور عندما أرى أنواع الترفيه والتسلية وشبكات التواصل الاجتماعي تسحبنا سحباً في شِباك الربع الأخير.

Slide7

والفطن منا من فقه هذه الأرباع وأجاد التعامل معها، وذلك لايكون إلا بإعطاء الربع الثاني Q2 حقه.  وهذا لايكون إلا بمبادرة الأعمال في هذا الربع واستباق الأحداث قبل أن تقع في ضغوط الربع الأول، أو أن تخدع بالربع الثالث، أو أن تغبن في الربع الرابع.

Slide8

ويأتي السؤال الأهم: كيف أتعامل مع الأعمال الموجودة في كل ربع، وماهي الاستراتيجيات المناسبة لها؟

لكل رُبع استراتيجيته الخاصة

الربع الرابع: ربع الضياع واستراتيجيته التقليص

التعامل مع الربع الرابع يجب أن يكون بحزم وانضباط وذلك بالتقليل منه ما أمكن.  من الخطأ أن أرى الكثير ممن يدعون إلى تركه تماما، وهذا ليس بالأستراتيجية الصحيحة في نظري، لأنها ستخلق منا آلات تعمل ولا تجد متنفساً بين الحين والآخر.  لذلك الهدف هنا هو تقلص من هذا الربع وتكتفي بالمعقول، حتى يتسنى لك قضاء وقت أكبر في الأرباع الأخرى.

مثال: إذا كنت ممن ينام 10-12 ساعة يومياً، فعليك تقليص ذلك للحد المعقول، مثلاً 8 ساعات يومياً.  وإن كنت ممن يقضون 3-4 ساعات يومياً على التلفزيون، فعليك التقليص من ذلك إلى ساعة أو أقل.  وإن كنت من مدمني التويتر والسنابتشات، فعليك تقليل الوقت الذي تقضيه فيها إلى ساعة أو ساعتين يومياً (إلا أن تكون هذه الوسائل من صميم عملك، وهذا موضوع مختلف) وذلك مثلا بأن تعطل التنبيها التي تأتيك منها.

الربع الثالث: ربع الخداع واستراتيجيته التفويض

أفضل طريقة للتعامل مع الربع الثالث هو أن تفوض ماتستطيع من أعمال فيها لمن هو أجدر، أو أحق، أو أرغب في القيام بها.  دعوني أوضح ذلك بأمثلة:

  • إعداد التقرير اليومي لللإدارة من مسؤولياتك ولكن قد يكون هناك من هو أفضل منك وأعلم بتفاصيله وبالتالي تفوضه لمن هو أجدر به.
  • التعامل مع جدول مواعيدك واجتماعاتك هي من صميم مساعدك الإداري، وبالتالي تفوضه بهذه المهمة أنه أحق بها.
  • جدولة وتنسيق حفلة زفاف ابنك هي من رغبات زوجتك وتود القيام بها عنك، وبالتالي تفوضها لأنها أرغب منك فيها.

الربع الثاني: ربع المبادرة واستراتيجيته التخطيط

لن تستطيع التعامل مع هذا الربع بنفس أسلوب “رد الفعل” الذي يغلب على الأرباع الأخرى، ولذلك يجب التعامل معه بأسلوب خاص هو المبادرة والاستباق وذلك لن يكون إلا بإعطائه حقه من التخطيط والإنجاز.  فمثلاً:

  • كلما خططت لضبط الجودة واتباع الممارسات الصحيحة فيها، كلما قلت المشاكل والعيوب التي تظهر في الإنتاج (سواء منتجات أو خدمات).
  • كلما عملت على أساليب الصيانة الوقائية كلما تقلصت الأعطال الناتجة لاحقاً.
  • كلما داومت على التمارين الرياضية والحركة، كلما ازداد جسمك قدرة ومناعة وقلت أمراضك
  • كلما عملت على بناء علاقات جيدة مع أفراد عائلتك، وأصدقائك، وزملائك، كلما قلت المشاحنات والمشاكل مستقبلاً

وبالتالي كلما استبقت وبادرت الأعمال في هذا الربع بالتخطيط لها، كلما تقلص الربع الأول وذهبت معه الضغوطات والمشاكل.

الربع الأول: ربع الإلحاح واستراتيجيته التنظيم والإنجاز

مهما عملت واستبقت وبادرت فلن يكون لك بد من أعمال تزاحمك وتدج بك في ربعك الأول.  وهنا تأتي أهمية التنظيم والإنجاز السريع والذي تحدثت عنه سابقاً في “إدارة الوقت وإنجاز الأعمال بطريقة GTD”.  ولكن حذار أن يكون همك هو التعامل مع كل مايأتيك في هذا الربع! تذكر أن الوقت الذي تقضيه في الربع الثاني يوفر لك جهود ويخفف عنك ضغوطات هذا الربع.

حجارة وحصى ورمل وماء

دعونا ننظر إلى وقتنا كوعاء (زمني) وهو ثابت لايمكننا زيادته أو نقصانه.  ودعونا نمثل الأعمال التي نقوم بها على أنها أشياء تتزاحم لتملأ هذا الوعاء.  هذه الأشياء على أربعة أنواع: حجارة، وحصى، ورمل، وماء.

الآن، لو بدأنا بملء وعائنا الزمني بالماء أولا، فلن يكون للأشياء الأخرى مجال.  وإن ملأنا وعاءنا بالرمل بداية، فكذلك لن يكون هناك مجال للحصى أو الحجارة.  وإن ملأناه بالحصى الصغيرة فلن يكون هناك نصيب للحجارة منه!

حتى أملأ وعائي بجميع الأشياء، فعلي أولاً أن أبدأ بالحجارة.  ومن ثم أعمد إلى الحصى الصغيرة فأضعها وهي بدورها ستجد مكانها بين قطع الحجارة.  وبعد ذلك أضع الرمل والذي سيجد مكانه في الأماكن الصغيرة بين الحصى والحجارة.  وأخيراً أسكب الماء والذي سيتخللهم جميعا ويملأ الفراغات بكل انسياب وسلاسة.

ولكن ماعلاقة هذه التجربة بموضوعنا؟!… أنا أقول لكم.

  • الحجارة تمثل أعمالنا التي يجب علينا المبادرة بها، وهي أعمال الربع الثاني Q2: مهمة ولكن غير عاجلة.
  • الحصى تمثل أعمالنا التي يجب علينا إنجازها، وهي أعمال الربع الأول Q1: مهمة وعاجلة.
  • الرمل يمثل أعمالنا التي يجب علينا تفويض معظمها، وهي أعمال الربع الثالث Q3: عاجلة ولكن غير مهمة.
  • الماء يمثل أعمالنا التي يجب أن نقلصها ونخفف منها، وهي أعمال الربع الرابع Q4: غير مهمة وغير عاجلة.

Slide3

فمتى بدأت بهذا التسلسل: حجارة ثم حصى ثم رمل ثم ماء، وجدت وعاءك الزمني متنوعا وحيويا ومتزناً.  ولكن ابدأ بالمقلوب حتى تجد وعاءك يغص بنوع أو نوعين من الأشياء وستكون الضحية دائماً: الحجارة – مادة المبادرة ومصدر الاتزان في حياتك.

خلاصة

هذه طريقة أساسية ومهمة جداً لمن أراد أن يمسك بزمام وقته.  وليس فيها من المتابعة والجهد الكثير كما تجده في الطرق الأخرى التي تهتم بتنظيم وإنجاز المهام.  ربطتها بمبدأ الوعاء الزمني والذي كثيراً ما يتحدثون عنه في سياق إدارة الأولويات.

لمن أراد المزيد، أنصح بقراءة كتاب ستيفين كوفي “First Things First” والذي يفصل العادة الثالثة من “العادات السبع للناس الأكثر فعالية” والتي يتحدث فيها عن مصفوفة إدارة الوقت… موضوع هذه المقالة.

وقتاً طيباً أرجوه لكم…

وهذا انفوجرافيك مختصر عن المقال:

6 رأي حول “روح المبادرة تكمن في إدارة أولوياتك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s